خطأٌ فادحٌ : معالي وزير التربيةِ والتعليمِ يجعلُ مادةَ اللغةِ العربيَّةِ ( التَّخصصِ ) مادةً اختياريَّةً للحصولِ على الثانويَّة العامَّةِ ( للفرعِ الأدبيِّ ) . حين قرأتُ هذا الخبرَ أو هذا القرارَ أُصبتُ بصدمةٍ كبيرةٍ ، وضربتُ كفَّاً على كفٍّ ، ثم وضعتُ رِجلاً على رِجلٍ ، وضحكتُ كثيراً ؛ فقد خِلتُ أنَّ معالي الوزيرِ يُخبرنا بنكتةٍ أو بطُرفةٍ ؛ فكيف لي أن أتصوَّرَ الفرعَ الأدبيَّ في الثانويَّةِ العامَّةِ لا يدرسُ تاريخَ الأدبِ أو البلاغةَ العربيةَ أو النحوَ أو الصَّرفَ ، وكيف لي أن أتخيَّلَ كشفَ علاماتِ طالبِ الفرعِ الأدبيِّ خالياً من مادةِ اللغةِ العربيَّةِ التي جعلتْ للفرعِ الأدبيِّ قيمةً ومعنىً ، وكيف لي أن أتصوَّرَ الفرعَ الأدبيَّ بلا أدبٍ ولا نقدٍ . إنَّني على يقينٍ تامٍّ أنَّ 75% من الشعبِ الأردنيِّ لا يجيدُ اللغةَ العربيَّةَ : إملاءَها ، ونحوَها ، وصرَفها ، ولا يتذوَّقُ شعرَها ، ولا يُميِّزُ بين الأجناسِ الأدبيَّةِ ، ولا يعرفُ الفرقَ بين المُعلَّقاتِ والمُجمَّداتِ ، ولا يميِّزُ بين المجمهراتِ والمشويَّاتِ . ولعلَّني لا أُبالغُ إذا ما قلتُ : إنَّ نسبةً عاليةً جداً من سكَّانِ الأردنِ مصابةٌ بداءينِ : داءِ السكريِّ وداءِ ضعفِ اللغةِ العربيَّةِ إلا النُّوابَ والوزراءَ فإنَّهم يعرفونَ مواضعَ الرَّفعِ ، ويعرفونَ متى ينصُبونَ ، ويُتقنونَ جرَّ الشَّعبِ وسحقَهُ . د.ع
قلتُ لها : أيّتها الحروف التي تُهاجرُ من قصائدي كالطُّيور .. لم أكن أعرفُ أن قصائدي باردةٌ كالمحيطات المُتجمّدة .. ولم أكُن أعرفُ أن لُغتي لا تصلحُ مأوى للمعاني العتيقة .. أيُّتها الحروفُ المكسورة كرماحِ آخر المعارك .. تعالي نأتلفُ .. ننتظمُ كفرقةِ رقصٍ شاميّة .. نرقصُ بالسّيفِ والتُّرسِ رقصةَ الانتصار .. فمنذُ مئة عامٍ وعام ونحنُ نسيرُ على هذهِ الأرض بلا أقدام .. أيّتها الحروف .. لا تنتظري المطرَ هذا العام .. فهو في إجازةٍ خارجَ الوطن .. ولا تنتظري القمرَ هذهِ الليلة .. فهو مُلقى على أرصفةِ الشّوارعِ مثلَ التاريخ .. أيّتها الحروفُ التي توقّفت عن الابتسام مثلَ بلادي .. لا تُحاولي أن تخرُجي من التّاريخ كما خرجت مُدنُ الشّرق القديم .. لا تسيري وحيدةً في عتمِ النّهار .. أخافُ أن يخطفكِ الليلُ المُتسكعُ في شوارعِ دمشقَ .. وعمّانَ .. وبغدادَ .. وبيروتَ .. وصنعاء .. أيّتها الحروف العاطلةُ عن العمل .. لا تستمعي إلى ثرثرةِ الضّباب .. ولا تُصغي إلى غناءِ هذهِ الفوضى .. فالأزهارُ اليابسةُ لا تفوحُ منها إلّا رائحة البعوض .. والحكومات الفاسدة .. كم قلتُ لكِ أن تتحوّلي إلى حروفٍ تجاريّة .. أو إلى صالةِ رقصٍ شرقي .. أو إلى شطِّ عُراة .. أتذكرين حينَ كنتُ أسألكِ عن الكذبِ خارجَ أوقاتِ الصّلاة ؟ وعن الفسادِ في الأشهر الحُرم ؟ وعن علاقتكِ المشبوهة بالسياسة الخارجيةِ ليلاً والسياسةِ الدّاخليّةِ نهاراً ؟ أتذكرين حينَ كنتِ تسبحينَ وحدكِ بلا ذراعين ؟ وتُرضعينَ أطفالَ الحجارةِ بلا ثديين ؟ وتسكبينَ الدّمعَ على ثرى المُدنِ المُحترقةِ بلا عينين ؟ أتذكرين حينَ كنتِ تسألين : مَن أدخلَ إلى قاموسنا السياسي مفهوم خارطة الطّريق ومفهوم خفضِ التّوتر وقواعد الاشتباك والتطبيع والفوضى الخلّاقة والتّدويل ؟ أيّتُها الحروف .. ما عُدتِ صالحةً لبناءِ قصيدةٍ بلغةٍ فصيحة .. ها أنتِ ترحلين كما يرحلُ التفاؤلُ من دولةِ اليأس .. ها انتِ تتحوّلينَ إلى شعرٍ شعبيٍّ مُستعار .. ومفرداتٍ قديمةٍ كسيارةٍ مستعملةٍ بلا إطار .. أيّتُها الحروف العابرةُ للهزائم .. لا تمشي على ضفافِ الضاد .. فقد جفّت الأحبارُ .. واحترقَ الورق .. وتوقّفَ الشّتاء عن البُكاء .. سأشدُّ رحالي نحوَ آخرِ القُبور .. تحملُني أقدامٌ زرقاء .. حافيةً إلّا من حذاء .. حسبتهُ ذاتَ يومٍ وطن .. د.ع
قلتُ لها : الأرضُ تنتظرُ المطرَ .. كما تنتظرُ المدنُ المُعتمة النّور .. السّكاكينُ المسمومةُ لم ترتوِ من جسد هذهِ الأرض ..
الرّبيعُ اعتذرَ عن الحضورِ هذا العام فلا تحدّقي في السماء فالغيومُ التي تتجوّلُ في الضواحي هناك تسخرُ من أحلام العرب .. هل يأكلُ الانسانُ نفسهُ ؟ هل يغتصبُ الانسانُ لحمهُ ؟ يا أرضُ ارحمي مَن في القبور .. فقد ضاقَ النّهارُ على الجسد .. كما يضيقُ البحرُ على الموج .. أيُّها العمرُ الرّاحلُ نحوَ النهايةِ .. ليتكَ تقفُ دقيقةَ صمتٍ عارياً .. لتهبَ هذهِ الأرضَ قُبلةَ الحياة .. أيّتها الأرضُ لا تستسلمي للخريفِ والغبار .. اسمعي بُكاءَ جذورِ الأشجارِ المُقدّسة .. واسمعي ماذا يقولُ التّينُ للزيتون .. يا هذهِ الأرضُ أرى جُرحكِ يتّسعُ كبحرٍ كفضاءٍ أراهُ يبتلعُ ما ينزفُ من دمي .. كثعبان .. لم يأفل الشتاء ما زالَ هناك متّسعٌ ليتسلّقَ الياسمينُ الجدار وما زالَ هناكَ وقتٌ للابتسام .. سأتركُ البابَ مفتوحاً للهواء .. وأتركُ النّوافذَ مشرّعةً للضوء .. لعلَّ العطشَ يخرجُ من هناك .. كما يخرجُ الغُزاة .. لقد تعبنا وتعبتْ الكلمات فأحلامي المثقوبةُ لن تحملَ إليكِ الماء وقلبي الضعيف لا يستجيبُ لمشاعر الرّمق الأخير .. أيتها الأرضُ الحبيبةُ .. سأحملُ جوعي وجوعكِ .. عطشي وعطشكِ .. وأسيرُ بقدمينِ تنزفان .. تخطّان على جبينكِ : هنا قتلَ الأخُ أخاه وهنا كانَ الشرقُ شرقاً وكانت الحياةُ حياة .. د.ع
قلتُ لها : هل للموتِ معنى ؟ وهل لموتي قيمة ؟ هناكَ من ماتَ في سبيلِ الذّهب .. وهناكَ من ماتَ في سبيلِ الأرض .. وهناكَ من ماتَ في سبيلِ قضيّة .. وهناكَ من ماتَ من أجلِ رغيفِ خُبزٍ .. أو قبلة .. أسألُ نفسي .. لمَ كنتَ تفكّرُ بأنَ تموتَ من أجلهم ؟ وكم فكّرتَ بأن تموتَ من أجلها ؟ من فكّرَ بأن يموتَ من أجلك ؟ كنتُ أعتقدُ أن الزهرةَ الحمراءَ المزروعة في حديقتي .. تفيضُ عطراً .. كنتُ أحسبها زهرةَ العُمرِ .. فإذا الزّهرُ كالبشرِ .. وإذا للزّهرِ فحيحٌ .. لا يفيضُ إلّا سُمّاً .. يدي ممدودةٌ إليها كأغصانِ الزّيتون العتيق .. ويدُها نحوي مقطوعةٌ كالمطرِ هذا العام .. يدي إن شحَّ الماءُ تنزفُ دماً .. فتسقي السنابلَ والزنابقَ والياسمين .. هل ما زلتَ تؤمنُ بأنَّ أحداً سيموتُ من أجلكَ ؟ وأنتَ كلَّ يومٍ تموت .. وتعلّمُ النّاسَ معنى أن تموت .. الخبزُ الذي كانَ يهزمُ جوعي .. لم يكن من سنابلي .. الخبزُ الذي كان يهزمُ جوعي .. لم يكن من تلكَ السنبلة .. التي تفتّحت بينَ يدي كالأقحوان .. سحابةٌ غريبةٌ تحجبُ عنّي يداً .. كنتُ أحسبُها يداً .. ماؤها مالحٌ مُرٌّ .. كأنّهُ ينبعُ من قبرٍ قديم .. من يبتاعُ أحلامي ؟ لم أعُد أحتاجُ إليها .. فهي كالحذاء القديم .. كلُّ العصافير التي كانت .. تُقيمُ على أغصانِ تلكَ الشجرةِ تموت .. كما يموتُ قُبيلَ الشهرِ الأول الجنين .. الدّروبُ التي تمرُّ بها أيامي موحشة .. كالظّلامِ المُخبأ في ابتسامةِ عينيها .. عقاربُ عمري تدور .. عكسَ عقاربِ السّاعةِ .. متى تتوقّفُ عقاربُ السّاعاتِ عن الدّوران ؟ فلا يأتيني ليلٌ .. ولا يُلقي عليَّ السّلامَ نهار .. عاريةٌ تلكَ الشّجرة .. جُذورها يأكُلها الصّدأ .. كأنّها امرأةٌ عجوزٌ عجوزْ .. تنتظرُ الموت .. كما ينتظرُ الشّمسَ الغُروب .. د.ع
قلتُ لها : لم تعدْ رائحةُ العِطرِ تتردَّدُ كالنَّغمِ في أرجاءِ المكانْ ولم يعدْ المكانُ يُشبهُ المكانْ أتأملُ في تفاصيلِ المكانِ أبحثُ عن تلكَ الذِّكرياتِ فلا أجدُ إلا بقايا من ذكرياتٍ سود أحاولُ أن أستعيدَ الماضي فإذا الماضي لا يستجيبْ كلُّ الصُّورِ وكلُِّ الأخيلةِ يُجَلِّلُها الضبابْ لا أعرفُ لِمَ تُمحى كلُّ التفاصيلِ من ذاكرتي ؟ ولِمَ كلُّ شيء بات بارداً كالصَّقيعِ أو كالجليدْ ؟ كلما فتحتُ نوافذَ ذاكرتي لا يدخلُ إليها إلا غبارُ السِّنينْ أيُّها الخريفُ لم أنتظرْ يوماً أن أجنيَ من ثماركَ شيئاً لا أرى إلا الأوراقَ تتساقطْ كأنِّي أرى الأشياءَ إلى زوالْ أيُّها الشِّتاءُ الفقير لا تحسبُني قوياً لا تحسبُني صلباً كالجبالْ ها أنا هَرِمٌ عاقرٌ لم أعد قادراً على إنجابِ حلمٍ صغيرٍ أملٍ صغيرٍ ابتسامةٍ ساحرةٍ أو كلمةٍ تُثيرْ أيُّها العمرُ الغارقُ في الوحلِ والطِّينْ لِمَ أطلقَ اللهُ سراحَ الشَّيطانِ ولِمَ جعلَ صوتَهُ ساحِراً ومسمووووووعْ ؟ مَنْ سرقَ الرَّحمةَ من قلوبِ الطُّغاةِ ومِن قلوبِ النِّساءْ ؟ مَن بنى للشَّيطانِ في كُلِّ مكانٍ هياكلَ للجراح ؟ مَن زيَّنها بالمصابيحِ المُعتِمة ؟ مَن زرعَ شجرةَ الجهلِ في الرُّوح ؟ لم أكنْ أعرفُ يوماً أنِّي كالسَّائرِ في نومٍ عميق ولم أكنْ أعلمُ أن ظهريَ انحنى من ذاكَ الحُلمِ الثَّقيل كنتُ أعتقدُ أنِّي أرى الأشياءَ كما لا يراها الآخرون فإذا بي أعمى بلا عُكَّازٍ ولا ساقينِ ولا يدينِ ولا عقلٍ يقودني ولا قلبٍ يجرُّني نحو الحقيقةِ ولا موجٍ يأخذُ أشرعتي نحو شواطىءِ الأمانْ الآنْ أيقنتُ لِمَ توحّش في داخلي المكانْ ولِمَ كنتُ أعمى لا أعرفُ قراءةَ ما تقولُهُ النِّساءْ ! د.ع
قلتُ لها : لماذا نذهبُ بعيداً في جرائمنا ؟ ولماذا نحجُبُ عيوبنا الأخلاقيّة ؟ ولماذا نسيرُ كالقطيع .. ونستجيب للقتلةِ .. ولأعمالهم الوحشيّةِ ؟ هل رأيتِ يا حبيبةُ يوماً أنَّ الدُّولَ الديموقراطيّة تحارب بعضها ؟ هل سألتِ نفسكِ يوماً : لمَ كلُّ المآسي تَحدثُ في دُولِ الظّلامِ والديكتاتوريّة ؟ حاولتُ أن أخرجَ من غابةِ الأسئلة ؛ فإذا بي إزاءَ سؤالٍ عجيب : لماذا نُجيدُ المديح لأنفُسنا حتى الدّرجة القُصوى ؟ ولمَ نحنُ مثاليون أكثر من الفلسفةِ المثاليّة ؟ هل هي مشكلة ثقافيّة ؟ هل نحنُ مجتمع نُخَبٍ فكريّة وثقافيّة وحسب ؟ أو هل لدينا مشكلة بمفهوم الإنتماء ؟ أين يتّجهُ انتماؤنا ؟ هل يتّجهُ إلى الطبقة الاجتماعيّة ؟ هل هو جهويٍّ ؟ هل هو عائليّ ؟ هل هو قَبليّ ؟ أم هل هو دينيّ .. عقائديّ ؟ لا أعرف رُبّما نعيشُ حالةً من التّهميش أو التبسيط للقيم والأفكار والمبادئ والأساليب . يا حبيبةُ : يبدو أنّنا استبداديون أكثر من السُلطة نفسها ، ويبدو أنّنا متطرّفون لأفكارنا الموغلة في القدمِ والتّاريخ ، ويبدو أنّنا حديثو الولادة ، لم نُتقن بعد الكلام ، أو إنتاج الخطاب ، وما زلنا لا نستطيع السّير والخروج من غرفة التلقين الأيدولوجي والعقائدي والقَبلي والجِهوي . ويبدو أنّنا لا نُجيدُ إنتاجَ مشروعٍ نهضوي حقيقي ، رُبّما نعيشُ مشكلة على مستوى المكوِّن الرئيسي للهويّة ، لعلّنا لم نخرج بعد من الغُرفة المُعتمة ، ولم نخرج بعد من تلكَ النرجسيّة القاتلة . د.ع
قالت له : ارجع كثيراً إلى الوراء .. وتأمّل الشّمس التي تُقيمُ هناك .. لعلَّ الشكَّ ينطفئُ في الرّوح .. فتُميّزَ إرادةَ السّماء .. ابنِ لكَ بيتاً في الماضي القديم .. واصغِ إلى صوتِ السّماء .. وانظر كيفَ ترتقي الذَات .. وتتجلّى العُقول .. لن تخدعكَ الشّمسُ .. التي تُشرقُ من الغرب .. فهي تحجبُ النّهار .. لن تخدعكَ الرّيح الآتية من الغرب .. فهي تقتلُ الثّمار .. لا تبنِ بيتكَ في الماء .. لن ترحمك .. أسماكُ القرشِ والحيتان .. ابنِ قصورَكَ في الهواءِ .. في الأحلامِ .. واسكُن خيمةً في العراء .. فالقصورُ المُعلّقةُ في الهواء .. لا تنهدِم ولا تخشى جُيوشَ الظّلام .. لا ترسم خارطةً للطّريق .. بل شُقَّ الطّريق .. فتتفتّحُ لك نوافذُ غير النّوافذِ .. وتظهرُ لكَ أشياء غير الأشياء .. والطّريقُ يا حبيبي طريقان : طريقٌ في الأرضِ مُعتمةٌ .. وطريقٌ من ضوءٍ في السّماء .. د.ع
أحبّتي : لستُ من هُواةِ الهجومِ على الوطن ، ولستُ من هُواة النقدِ لمجرّد النّقد ، غيرَ أنّي حينَ أرى وطني جريحاً دونَ حرب ، مهزوماً دونَ فتنة ، يُعاني من أزمةٍ إقتصاديةٍ خانقة دونَ سبب ، لا بدَّ أن أتكلّم ، ولا بدَّ أن أسأل : كيفَ وصلنا إلى هذهِ الحال التي تُثيرُ الشّفقة ؟ وكيفَ وصلنا إلى مجالِ الجّوع والخوفِ من المُستقبل ؟ لماذا يبدو لي وطني كالبلادِ التي مزّقتها الحروبُ والفتنِ الدّاخليّة ؟ ولماذا يبدو لي كمُتسوّل أو كغريقٍ يطلبُ النّجاة ؟ لمَ تحوّلت هذه المملكة الصغيرة الآمنة إلى مملكة الضّرائب ؟ ولماذا حكومتنا عاجزة إلّا عن رفعِ الأسعار وفرضِ الضّرائب ؟ لم أعد أعرفُ الفرقَ بين الضّرائب وارتفاعِ الأسعار ، ما الفرق أن نضع ضريبة على المحروقات 30% أو أن نرفع المحروقات 30% ، ليتني أعلم من هو هذا الفيلسوف الاقتصادي والخبير الاقتصادي الذي يُخطط لهذا البلد ؟ والله إنّنا لم نعد نثقُ بنائبٍ أو وزيرٍ أو دواءٍ أو خُبزٍ أو هواء ، وبتُّ أخشى أن يأتي يومٌ وإذا بي أدفعُ ضريبةً عن زوجتي ، وضريبةً عن ابني ، وضريبةً عن بنتي ، وضريبةً على رغيفُ الخبزِ الذي رفعوا الدّعم عنه كما يقولون ، وضريبةً لأنّي أمتلكُ قدمين ويدين ، وضريبةً على الشّخير . هل يعلمون أنَّ بيوتنا التي شيّدناها حجراً حجراً بعرقنا ودَمنا وغُربتنا ندفعُ عليها ضريبة ، وهل يعلمون أن السيارة التي دفعنا ثمنها غُربةً وتعباً وقرضاً من هذا البنكِ او ذاك ندفعُ عليها ضريبةً ، وهل يعلمونَ أن جوازَ السّفر الأردني والذي أعتزُّ به كل الاعتزاز نستخرجهُ بخمسين ديناراً ، وأن شهادة الميلاد عليها ضريبة ، وشهادةَ الموت عليها ضريبة ، والشّوارعَ عليها ضريبة ، وملابسنا الدّاخلية والخارجيّة عليها ضريبة ، وقد تطوّر الحالُ بنا أكثر وصرنا ندفعُ ضريبةَ الضّريبة ، وفي المُستقبل القريب سندفعُ أمَّ الضرائب ، تلكَ هي ضريبةُ أنّكَ ما زلتَ على قيدِ الحياة في هذا الوطن . أحبّتي : كلّما أراقبُ الحوار الدائرِ في مجلس النوّاب ، وكلّما استمعتُ إلى وزيرٍ يتكلّم ، أو ناطقٍ باسم الحكومةِ يشدو ، أشعرُ أنّني في القرنِ الثّامن عشر ، فلا خطابهم مُقنع ، ولا ثقافتهُم مُقنعة ، وليس لديهم رؤيا أو منهج . سألتُ العرّافينَ والطّيورَ والجنادبَ ، وكلَّ أنواعِ الماعز والخراف ، لمَ لم يخرج الأردن من أزمتهِ الاقتصادية بالرغمِ من كثرةِ هذهِ الضّرائب الغريبةِ العجيبة ، وهو لا يتحمّلُ أيّةَ أعباءٍ ماليّة سوى الرّواتبِ وبعض المعاشات التي لا تكفي الموظّف إلّا خمسةَ أيّام ؟ إنَّ كل المؤشرات تدلُّ على أنّنا نعيشُ على أرضٍ موبوءةٍ بالفساد ، وأنّنا نعيشُ في وطنٍ يتعرّضُ للخيانةِ كلَّ دقيقة ، ويتعرّض للنهبِ والسلبِ كلَّ ثانية ، إنَّ هذا الوطن لن يرحم أيَّ إنسانٍ خانهُ أو سرقهُ أو نهبهُ أو أفسدهُ ، وسيأتي يومٌ وأحسبهُ قريباً يُحاسبُ فيهِ كلَّ فاسدٍ وكلَّ خائنٍ ، وكلَّ من تسبّبَ في حرمانِ طفلٍ من حبّةِ تُفاحٍ أو برتقالةٍ أو سندويشةٍ صالحة للاستهلاك البشري . عافاكَ الله أيُّها الوطن من ايِّ سقمٍ أو وجع . د.ع
قلتُ لها : سأشُدُّ رحالي إلى لُغتي .. أُفتّشُ في الحروفِ العتيقةِ .. عن وطنٍ ما زالَ طفلاً يحملُ بالوناً .. ولُعبةً على شكلِ أرنب .. يُطاردُ فراشات الرّبيع .. مثلَ قطٍّ وديع .. يبحثُ عن صيدٍ سهل .. سأعودُ إلى حروفي القديمة .. وأسيرُ مُغمض العينين .. أبحثُ عن وطنٍ باعوهُ في سوقِ النخاسةِ .. كما تُباعُ الجواري .. وتقاسموا ثمنهُ بالعدل .. أليسَ غريباً أن يعترفَ اللصوصُ بالعدل ؟ أُفتّشُ بينَ أطرافها عن صباحِ وطني الجّميل .. وأسألُ عن حقولها التي هجرها الزُّراع .. وعن السنابل التي كانت تُصلّي لربِّ السّماء .. سأسألُ التُّرابَ عن الجفاف .. واسألُ السّواقي : من سرقَ من جوفها الماء ؟ سأعودُ إلى حروفي القديمة .. لأرى من سرقَ القوتَ من أفواه العصافير ؟ ومن نزعَ الرّيش من اجنحة الحمام ؟ وأسألُ حرفَ الآه .. من أينَ جاءكَ هذا الألم ؟ ومن شقَّ في جوفِ صدركَ الجُرحَ وقالَ لك : هذهِ هي الطّريق ؟ سأعودُ إلى حروفي القديمة .. مثلَ المُتسوّلين .. أستمعُ إلى بيانٍ وزاريٍّ من مذياعٍ قديم : سنقضي على البطالةِ والعنوسةِ وارتفاعِ الأسعار .. ونسمحُ بحريّةِ الاجتماعِ والتّظاهر .. ونأوي أطفالَ الشّوارعِ .. ونُعيدُ الأسماكَ للبحرِ الميّت .. والدّعمَ لرغيفِ الخبزِ .. والمطرَ للشتاء .. والموجَ للبحار .. والرّيشَ للطّيور .. والرّمالَ للصحراء .. ونُعيد للوجوهِ الدّماء .. وسنُعطي الوطنَ أشياءً وأشياء .. سنطردُ الجُبنَ من العقول .. والخوفَ من القلوب .. والغيرةَ من العيون .. والحسدَ والجنون .. سنجعلُ الاقتصادّ يعملُ بكلِّ المُحركات .. وسيكونُ له ألفُ عجلٍ وعجل .. سأعودُ إلى لُغتي القديمة .. لتأخذني إلى قلبِ الليل .. كطعنةِ سكّين .. أتقلّبُ في سريرِ الشّوكِ .. من قلقِ السّؤال .. فيثورُ في خاطري كلَّ غمضةِ عينٍ سؤال .. من جعلَ هذا الوطن بلا أظافرَ .. ولا أسنان ؟ ومن جعلهُ يترنّحُ مئةَ عامٍ .. دونَ أن يسقطَ بالضّربةِ القاضية ؟ د.ع