الأحد، 4 مارس 2018

المطبخُ الأردني

قلتُ لها :

المطبخُ الأردنيُّ من أغنى مطابخِ العالمِ ؛ فلدينا :

خبزٌ مشويُّ ..
خبزٌ مسلوقٌ ..
فتةُ خبزٍ بالماءِ ..
كفتة خبزٍ ..
خبزٌ كباب ..
خبزٌ محشيٌّ بالخبزِ ..
خبزٌ ملفوفٌ بالخبزِ ..
شوربةُ خبزٍ ..
خبزٌ ببروتيناتِ الصَّوامعِ ( الفئران ) ..
خبزٌ بالسُّوسِ ..
شرائحُ خبزٍ ..
خبزُ رأس عصفور ..
خبزُ ستيك ..
وخبزٌ هيك وهيك ..
وخبزُ كيك ..
وداوود باشا بالخبزِ
وداوود بيك ..

وأما الذين يعانونَ من السُّمنةِ الزائدةِ فيتوافر لهم ما يلي :

خبزٌ خالٍ من القمحِ ..
وقمحٌ رفضته دولةٌ عربيةٌ شقيقةٌ لأنه لا يطابقُ مواصفاتِها ومقاييسَها ..

لا أعرفُ يا حبيبةُ لماذا نشكو - نحنُ الأردنيين - من الطفَرِ والفقرِ وضيقِ الحالِ والفسادِ ونهبِ الأموالِ والتضخُّمِ ...

ما أغناكَ يا مطبخَ الأردنيين .. وما أشدَّ فقرنَا !

د.ع

عمّان : تفاصيلُ الجسد



قلتُ لها :

أُصلّي الفجرَ قبلَ الفجرِ .. 
وأسالُ الشّمسَ عن الظّهرِ .. 
والعصرَ عن العصرِ .. 
وأحملُ رأسي على ظهري .. 
وأمضي هارباً ..
من موتي .. 
ومن قهري .. 
وأقفُ كالغريقِ أطرقُ بابَ عمّانَ .. 
بجناحِ حمامَة .. 

فيأتيني صوتٌ كأنّهُ أنينُ وترٍ مقطوع :
عمّانُ ليست لكم .. 
عمّانُ ليست لكم .. 
اختر نعشكَ البنفسجي وارحل .. 
تتصبّبُ ذاكرتي عرقاً بارداً كالصّقيع ، وتفتحُ العُمرَ على مصراعيه ، وتمدُّ لي لسانها الطّويل كخرطومِ فيل ، وتقولُ لي انظر : 
كيفَ يبيضُ الفقرُ في كلِّ مكان ؟
وكيف ينتشرُ الجوع في كلِّ منزلٍ وشارعٍ كانتشار الضّباب كالجّراد ؟
انظر : 
كيفَ يخافُ الجوع من الجوع ؟ 
منذ متى لم ترَ ضحكة معلّقة على وجهِ طفلٍ أو امرأة ؟
منذُ متى لم تَنم كما ينامُ الأطفال ؟ 
منذُ متى لم تُغنِّ كما تغنّي السّهول ؟

يُداهمني صوتُ برأسٍ مقطوع :
عمّانُ ليست لكَ .. 
عمّانُ ليست لك .. 

لقد تغيّرَ وجهكِ يا عمّان صارَ  " كالسّتان " : ظاهرهُ لامعٌ وبرّاق ، وسطحهُ ناعمٌ كجسدِ أفاعي سُهولِ حوران .

تغيّرت دواخلكِ ومخارجكِ ومشيتُكِ كأنّكِ امرأةٌ لعوب تُلائمُ كلُّ الفصولِ ، وكُلِّ الأزمنةِ كأنّكِ قطعةٌ من قماش الكشمير ، يخيطونَ منكِ أثواباً لكلِّ الظّروفِ ولكلِّ الحالات .

عمّان :
كيفَ تغلغلَ إليكِ الفساد ؟ 
وكيفَ بنى فيكِ أعشاشاً وبيوتاً من حجرٍ وقرميد ؟
أنصحُكِ ان لا تخرجي للناسِ بثوبٍ من الليغرا ، أخافُ أن ترى النّاسُ كلَّ تفاصيل الفسّادِ وملامحهُ عند ارتدائه .

عمّان : 
كم تمنيّتُ أن تكوني شفافةً  " كقماش الجورجيت " ، جميلةً  " كقماش الكروشيه " ، قويّةً  " كقماش السباندكس " .

عمّان : 
رائحةُ الفسادِ تغمرُ المكان ، ورائحةُ الخيانة والنّفاق تعبقُ في كلِّ الزوايا والأنحاء ، مخطئةٌ أنتِ إن اعتقدتِ أن عطر : آيدول دي ارماني أو عطر شاليني أو عطر Jar أو عطر Boss femme قادرٌ على إزالةِ رائحة الفساد .

عمّان : 
لن يعودَ رسمُكِ جميلاً ساحراً كليلِ آذار ، مُشرقاً كشمسِ أوّلِ نيسان ، مُتألقاً مُحمرّاً كشهرِ آب ، فأعظم أنواع " الكونسيلر " لن يُصحّحَ عُيوبكِ ، وأعظم أنواع " الكنتور والهايلايتر " لن يُعيدَا إليكِ ملامحَ وجهكِ . 

عمّان : 
سأُصلّي بصمت لجسدٍ ينتظرُ الكفن . 

هامش : 
سأُحاول أن يكونَ هذا الكفن من قماش الدانتيل الأبيض والتّول ، لعلّكِ تَرجعينَ كما طائرُ الفينيق ، عروساً بثوبِ الزّفاف . 

د.ع

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

السرُّ في الحذاء !


قلتُ لها : 

لا أعرفُ لمَ يؤلمُني هذا الحذاء ، مع أنّني انتعلتهُ منذُ ثلاثينَ عاماً أو أكثر ، أشعرُ أنّهُ قيدٌ ثقيل ، بحجمِ الكرةِ الأرضيّة ، كلّما حاولتُ أن أتقدّمَ خطوةً نحوَ الأمام ، يأخذُني خطواتٍ إلى الخلف ، وكلّما نحوتُ إلى اليسار يشدُّني بعنفٍ إلى اليمين ،  لا أعرف سرَّ السرِّ بينَ هذا الحذاء وثنائيّة اليمين واليسار . 

هذا الحذاء يُفقدُني تركيزي ؛ مرَّةً أُحسُّهُ حيواناً أليفاً ، ومرّةً أُحسّهُ وحشاً كاسراً ، ذاتَ يومٍ تخفّى فاتّخذَ شكلَ البُسطار ، وحينَ غادرَ قدميَّ وجدتُهُ ( يرفُش ) كل شيءٍ أمامهُ ، بل أصبحَ متعالياً متغطرساْ طاغيةً ، كلُّ الأشياء صارت تحتهُ ، مرّةً رأيتُهُ يقمعُ مظاهرةً ترفعُ شعار : نعم للعُنف مع النّساء . 

ومرّةً وجدتُهُ كمن أُصيبَ بإنفلونزا الذُباب ، فصارَ كحذاءٍ نسائيٍ بكعبٍ مسماريٍّ عالٍ ، مغروزٍ بعينِ الحقيقة ، ومرّةً أمسكتُ بهِ متلبّساً يُقيمُ علاقةً جنسيّةً مع حفّاية مقاسُها 38 . 

وذاتَ مساءٍ خميسيٍّ دافى ، التقيتُ بهِ صُدفةً في أُمسيةٍ شعريّةٍ تحتفي بالرّبيع العربيِّ ، وتسلّقَ منبرَ الشعرِ ، ثمَّ شرعَ يُلقي قصيدةً منحولةً أحسبُها للمُتنبّي ، كانَ يقول مطلعُها ( بيني وبينك خطوة ونص ) . 

عجيبٌ هذا الحذاء ، أذكر ُ أنّهُ قد تعرّض لوعكةٍ صحيّةٍ أصابت النّعل ، فطلبَ من الحذّاء العظيم .. عفواً من الجّراح العظيم أن يستبدلَهُ بنعلٍ حديديٍ مُدبّب ، وحينَ سألهُ الحذّاء عن ذلك قالَ : رحمةً بالبشر ، فهو يعتقد أنَّ الأحذية هي التي تصنعُ أفكارنا ، وتُشكّلُ عواطفنا ، وتصوغُ وعينا بالأشياء . 

قالَ لي : إنَّ نهاية التّاريخ لا تكونُ بالديمقراطيّةِ ولا بالعولمةِ ولا بالحداثة ِبل بالأحذية .. العالم اليوم يدخلُ عصري .. عصرَ الأحذيةِ ، لأنَّ الطّاقة الكامنة في الأحذية هي الطّاقة الوحيدة القادرة على إدارةِ هذا العالم .

د.ع

هل يلدُ الموتُ إلا الموت !



قلتُ لها : 

صابرٌ ..
على الهجرِ .. 
صابرٌ ..
على الغدرِ .. 
صابرٌ .. 
على الوجعِ .. 
على الزّمنِ .. 

أُبحرُ في ألمي .. أبحثُ عن مرفأٍ لا يُشبهُ وجهَ امرأةٍ ..
ادعو أياميَ  أن تُقيمَ صرحاً لأحزاني .. 
فقد تغيّرَ طعمُ الماءِ في فمي .. وتغيّرَ لونُ دمي .. 
وانطفأ العمرُ كما ينطفئُ الجمرُ في مواقدِ الشّتاء .. 

لم أَعُد أُجيدُ قراءةَ الأمواج .. 
لم أَعُد أُصغي لصوتِ النُّجوم .. 
فالغُيومُ حِجاب .. 

وجهي يهرُبُ منّي .. كما تهربُ من ذاكرتي الحُروف .. 
أخافُ من الشّمسِ حينَ تصيرُ الشّمسُ سجّان .. 
أسمعُ الموتَ يعزفُ على النّاي أغاني الموتْ .. 
وأرى الضّياء يرتدي عباءَةَ العتمِ .. 

تساقطت أهدابي وانكشفت العيونُ على البُكاء .. 
والمدى صدى الموتِ في خاطري :

هل تلدُ النّار إلّا النّار ؟ 
هل يلدْ الموت إلّا الموتْ ؟ 

د.ع

خطأ فادح ..


خطأٌ فادحٌ :

معالي وزير التربيةِ والتعليمِ يجعلُ مادةَ اللغةِ العربيَّةِ ( التَّخصصِ ) مادةً اختياريَّةً للحصولِ على الثانويَّة العامَّةِ ( للفرعِ الأدبيِّ ) .

حين قرأتُ هذا الخبرَ أو هذا القرارَ أُصبتُ بصدمةٍ كبيرةٍ ، وضربتُ كفَّاً على كفٍّ ، ثم وضعتُ رِجلاً على رِجلٍ ، وضحكتُ كثيراً ؛ فقد خِلتُ أنَّ معالي الوزيرِ يُخبرنا بنكتةٍ أو بطُرفةٍ ؛ فكيف لي أن أتصوَّرَ الفرعَ الأدبيَّ في الثانويَّةِ العامَّةِ لا يدرسُ تاريخَ الأدبِ أو البلاغةَ العربيةَ أو النحوَ أو الصَّرفَ ، وكيف لي أن أتخيَّلَ كشفَ علاماتِ طالبِ الفرعِ الأدبيِّ خالياً من مادةِ اللغةِ العربيَّةِ التي جعلتْ للفرعِ الأدبيِّ قيمةً ومعنىً ، وكيف لي أن أتصوَّرَ الفرعَ الأدبيَّ بلا أدبٍ ولا نقدٍ .

إنَّني على يقينٍ تامٍّ أنَّ 75% من الشعبِ الأردنيِّ لا يجيدُ اللغةَ العربيَّةَ : إملاءَها ، ونحوَها ، وصرَفها ، ولا يتذوَّقُ شعرَها ، ولا يُميِّزُ بين الأجناسِ الأدبيَّةِ ، ولا يعرفُ الفرقَ بين المُعلَّقاتِ والمُجمَّداتِ ، ولا يميِّزُ بين المجمهراتِ والمشويَّاتِ .

ولعلَّني لا أُبالغُ إذا ما قلتُ : إنَّ نسبةً عاليةً جداً من سكَّانِ الأردنِ مصابةٌ بداءينِ : داءِ السكريِّ وداءِ ضعفِ اللغةِ العربيَّةِ إلا النُّوابَ والوزراءَ فإنَّهم يعرفونَ مواضعَ الرَّفعِ ، ويعرفونَ متى ينصُبونَ ، ويُتقنونَ جرَّ الشَّعبِ وسحقَهُ .

د.ع

الأحد، 18 فبراير 2018

آخرُ المرايا


قلتُ لها :

أنتِ أقسى النّساء ، 
كأنّكِ كلمةٌ هامدة ، 
أو كأنّكِ قصيدةُ مديحٍ فاسدةٍ .. 

أنتِ أقبحُ امرأةٍ شاهدها الليلُ ،
بكلِّ الأشكالِ الوقحة .. 
أرخيتِ شعركِ على ألفِ كتفِ رجلٍ ورجل .. 
رصدتْكِ الستائرُ على حوافِ الأسرّةِ .. 
بألفِ صورةٍ قذرة .. 

أنتِ أسوأُ امرأةٍ على اليابسة .. 
تمخرُ الزّمنَ المغلوبَ بأشرعةٍ مُمزّقة ..
وتعبرُ الأمكنةَ الموبوءةَ .. 
بعينٍ عمياءَ .. 
وقدمٍ سوداءَ .. 
وأفكارٍ كالضُعفاءِ مُنهكة .. 

أنتِ أوهنُ امرأةٍ ..
تنسجينَ من خيوطِ الكذبِ خيمةً ..
تحجبُ الضّوءَ عن كلِّ المُدُنِ المُترفة .. 

كم قلتُ لكِ تعالي نعبرُ طريقاً ..
لم تسلكْها النُّجوم .. 
ونفتحُ أبواباً في الصّخورِ المُترددّة ..
ونشقُّ معابرَ للضّوء .. 
في البحورِ المُعتمة .. 

تعالي نخرجُ من كلِّ الأزمنةِ :
نهربُ من الزّمنِ الحاضرِ .. 
والزّمنِ الماضي ..
ضعفُنا مُقيمٌ بينَ زمنين : 
الحاضرُ مرايا للماضي .. 
والماضي مرايا للحاضرِ .. 
تعالي نهزمُ ضعفنا .. 
ونكسرُ في عقولنا آخرَ المرايا .. 

د.ع

ابتسامةٌ مرتجفة



إليها :

يأتيني صوتُها كطِفلةٍ تُصلِّي الفجرَ
فأسيرُ فوقَ البكاءِ 
كحمامةٍ تحترقُ
كورقةٍ بيضاءَ ترتعشُ
من همسةِ ريح 
كشمعةٍ حمراءَ 
تغفو على صدرِ الظلامِ
وتذوبُ
مثلَ جليدِ المشاعرِ
حين تختنقُ فينا المشاعرُ 
وتموتُ ..

صوتُها المخنوقُ يسافرُ في الرُّوحِ
كجُرحٍ عميقٍ 
كرحلةٍ عذابٍ
كموجةِ ألمٍ
يقهرُ المسافاتِ 
كما تقهرُ الجهاتِ الغيوم 
يحفرُ في القلبِ صورةً لدمعة
تضيءُ ظُلمَتي والمكان
تملأُ الفراغَ
كقوافلِ الحجيج
تقهرُ الزَّمانَ
وترسمُ في صحرائيَ المبتورةِ الأطرافِ
ابتساماتٍ مرتجفةً
بوجوهٍ طاهرةٍ
وعيوناً كعيونِ الماء ..

د.ع

أسوأُ عصورِ العرب !



قلتُ لها :

هذا العصرُ أسوأُ عصرٍ يمرُّ بهِ العربُ ؛ فهو عصرُ ملوكِ الطوائفِ والدويلاتِ ، وعصرُ شيوخِ البترولِ والغازِ ورجالِ الأعمالِ والإعمالِ ، وعصرُ أنصافِ المُثقَّفين ، وأرباعِ المُفكِّرين ، وحقارةِ بعضِ الأعلاميِّين ، وعصرُ ثرواتٍ تُهدَرُ في حروبٍ مجانيّةٍ ، وفي ثوراتٍ مُفتعلةٍ قذرةٍ يُديرها مَن يُديرها ، ويُخطِّطُ لها مَن يُخطِّطُ لها ، نحنُ أبطالُها المُزيَّفون ، ونحنُ الوقودُ والحطبُ .

هذا أسوأُ عصرٍ من عصورِ العربِ ؛ دُمِّرت مدائنُ تاريخيَّةٌ ، وسُلبت آثارٌ عاشت آلافَ السِّنينِ ؛ وهُدِّمت صوامعُ ومساجدُ وكنائسُ ، وحُرِّقت أراضٍ ، ورُمِّلت نساءٌ ، وهُجِّر أطفالٌ ، وكم هي البحورُ التي التهمت أسماكُها أجسادَ أطفالِنا ونسائِنا ، وكم هي الدُّولُ الغربيَّةُ التي تحتضنُ أعراضَنا وأرحامَنا !

هذا أسوأُ العصُّورِ ؛ الدَّمُ العربيُّ فيه مُباحٌ ، والأخُ يتآمرُ على أخيهِ مُباحٌ ، والتنسيقُ مع العدوِّ مباحٌ ، وتقسيمُ الدُّولِ مُباحٌ ، وتسليمُ أموالِ العربِ للآخرِ مباحٌ ، والفسادُ مُباحٌ ، وتجويعُ الشُّعوبِ مُباحٌ ، واغتيالُ الحريَّاتِ مُباحٌ .

هذا أسوأُ العصُّورِ ؛ فالسِّلاحُ لا يُوجَّهُ إلاَّ إلى صدرِ العربيِّ ، والأرضُ التي تحترقُ عربيَّةٌ ، والمعالمُ التي تُدكُّ بالمدافعِ عربيَّةٌ ، والنِّساءُ التي تُستباحُ أجسادُها عربيَّةٌ ، والأطفالُ المشرَّدونَ دماؤُهم أظنُّها عربيَّةً .

هذا أسوأُ العصُّورِ ؛ لأنه عصرُ القذارةِ والانحطاطِ ، وعصرُ الإعلامِ الموجَّهِ والمُخيَّطِ والمُفصَّلِ والحقيرِ ، وعصرُ المؤامرةِ على الأرضِ والعرضِ والمالِ ، غذاؤنا فاسدٌ ، دواؤنا فاسدٌ ، تعليمُنا فاسدٌ ، صناعاتُنا مُتخلِّفَةٌ ، زراعتُنا مسَّمومةٌ ، طرقُنا أُعدَّت للموتِ وحسب ، عماراتُنا آيلةٌ للسّقوطِ ، حكَّامُنا محكومون ، ورجالُ أعمالِنا جشعون ، لا تجارةَ رائجةً إلا تجارةَ الموتِ ، ولا اقتصاداً بالحياةِ إلا اقتصادَ الحروبِ .

هذا أسوأُ العصُّورِ ؛ لا كرامةَ فيه لبشرٍ ، ولا كرامةَ لشيخِ القبيلةِ ، ولا عزَّةَ فيه لامرأةٍ إلاَّ عارضاتِ الأزياءِ والراقصاتِ والمُغنِّياتِ .

هذا أسوأُ العصُّورِ ؛ لا حقَّ فيه لطفلٍ ؛ ولا حقَّ فيه لامرأةٍ ، ولا حقَّ فيهِ لحرفٍ أن يصرخَ أو لقصيدةٍ تُطالبُ بحريَّةِ الشعوبِ ، أو لروايةٍ تكشِفُ عن مخازي هذا الزَّمن الفاجرِ .

أنصحُكُم ألاَّ تبحثوا عن قبرٍ تشعرون فيهِ بالدِّفءِ بعد هذا العُري الفاضحِ ؛ فهذا العصرُ جعلَ هذهِ الأرضَ أوسعَ القبورِ .

د.ع

زمنُ الكلابِ




لن أعترفَ لكم بأيِّ شيءٍ 
فافعلوا بيَّ ما تُريدون 

اصلبوني عارياً
في صدرِ غُرَفِكم المُعتِمةِ
مثلَ سِجادةِ الصَّلاةِ

واجلدوني 
بكلِّ أنواعِ السِّياطِ
المَجدُولةِ وغيرِ المَجدُولة

اجعلوا جسدي
لوحةً فنيَّةً
بكلِّ الألوانِ الحارَّةِ
والباردة
فلن أعترف لكم بشيءٍ أبداً

علِّقوني
في سقفِ تلكَ الغرفةِ
كما تُعلَّقُ الذَّبيحةُ 
للسَّلخِ والتقطيع

اجعلوا جسدِي مِطفأة
لكلِّ أنواعِ السَّجائرِ والسِّيجار
واحترمُوا جسدي ؛
أطفئِوا بهِ 
أفخرَ السَّجائر الأمريكيَّةِ
وأفخرَ أنواعِ السِّيجار
لأشعرَ ولو مرَّةً في حياتي 
بأنَّني ألقى الاحترام 

لن أعترفَ لكم بشيءٍ
فالأسرارُ التي يحمِلها عقلي 
خطيرةٌ
تساوي ملايينَ الملايينِ 
من الدُولاراتِ

أعرفُ مَن المسؤولِ 
عن ارتفاعِ الخبزِ
وأعرفُ مَن جعلَ حبَّة الفلافلِ 
بسعرِ سِيخِ الكبابِ
وأعرفُ سرَّ ارتفاعِ صحنِ الفُول 
وانخفاضِ ضريبةِ السَّياراتِ الفارهةِ
وأعرفَ كيف انتقلَ الدَّعمُ 
لأفخرِ أنواعِ الخمور :
الفودكا الرُّوسيَّة
والشمبانيا الفرنسيَّة
والبِيرة الألمانيَّة
والويسكي الأمريكيَّ

لن أعترفَ لكم بأسرارِ الاقتصادِ
فلن أُخبرَكُم عن الاحتكارِ
وعن فسادِ البُنيةِ التحتيَّةِ
وجشعِ البُنيةِ الفوقيَّةِ
ولن أبوحَ بشيءٍ 
عن أشكالِ الفسادِ
والتحكُّمِ بإيذاءِ العباد

لن أعترفَ بشيءٍ أبداً
افصلوا اللَّحمَ عن العظمِ
وقطِّعوا كلَّ أوتاري
فسيبقى رغماً عنكُم 
يسري في وِجدانِكم 
نغمي 

أشعلوا النَّارَ تحتَ جسدي
ثم اغمروني بالماءِ البارد

انتزعوا أظافري 
بأقسى أنواعِ الكمَّاشاتِ
فلن أجيبَ عن أيِّ سُؤالٍ
ولن أخبرَكم 
مَن خنقَ اليَاسمين 
في الشَّامِ
وأشعلَ النَّارَ
في نخيلِ العراقِ
وفقأ عينَ حبَّةِ الرُّمانِ 
في اليمنِ
ولن أُخبرَكم 
مَن سرقَ النَّهرَ العظيمَ 
من ليبيا
ومَن يُحاولُ أن يسرقَ من مِصرَ 
نهرَ النِّيلِ

ارمُوا أشلاءَ جسدي 
لكلابِكُم
حينَ تهضمها 
ستنبحُ بوجوهِكُم بصوتٍ عالٍ :
ماتَ قبلَ أن يُخبِرَكم بأنَّ 
هذا الزمنَ الخائنَ 
هو زمنُ الكلاب ...

د.ع

الحروفُ العاطلة عن العمل !


قلتُ لها : 

أيّتها الحروف التي تُهاجرُ من قصائدي 
كالطُّيور .. 
لم أكن أعرفُ أن قصائدي باردةٌ
كالمحيطات المُتجمّدة .. 
ولم أكُن أعرفُ أن لُغتي 
لا تصلحُ مأوى للمعاني العتيقة ..

أيُّتها الحروفُ المكسورة 
كرماحِ آخر المعارك .. 
تعالي نأتلفُ .. 
ننتظمُ كفرقةِ رقصٍ شاميّة .. 
نرقصُ بالسّيفِ والتُّرسِ 
رقصةَ الانتصار .. 
فمنذُ مئة عامٍ وعام 
ونحنُ نسيرُ على هذهِ الأرض 
بلا أقدام .. 

أيّتها الحروف .. 
لا تنتظري المطرَ هذا العام .. 
فهو في إجازةٍ خارجَ الوطن .. 
ولا تنتظري القمرَ هذهِ الليلة .. 
فهو مُلقى على أرصفةِ الشّوارعِ 
مثلَ التاريخ .. 

أيّتها الحروفُ التي توقّفت عن الابتسام 
مثلَ بلادي .. 
لا تُحاولي أن تخرُجي من التّاريخ 
كما خرجت مُدنُ الشّرق القديم .. 
لا تسيري وحيدةً 
في عتمِ النّهار .. 
أخافُ أن يخطفكِ الليلُ المُتسكعُ 
في شوارعِ دمشقَ .. 
وعمّانَ .. 
وبغدادَ .. 
وبيروتَ .. 
وصنعاء .. 

أيّتها الحروف العاطلةُ عن العمل .. 
لا تستمعي إلى ثرثرةِ الضّباب .. 
ولا تُصغي إلى غناءِ هذهِ الفوضى .. 
فالأزهارُ اليابسةُ لا تفوحُ منها 
إلّا رائحة البعوض .. 
والحكومات الفاسدة .. 

كم قلتُ لكِ أن تتحوّلي 
إلى حروفٍ تجاريّة .. 
أو إلى صالةِ رقصٍ شرقي .. 
أو إلى شطِّ عُراة .. 

أتذكرين 
حينَ كنتُ أسألكِ عن الكذبِ 
خارجَ أوقاتِ الصّلاة ؟ 
وعن الفسادِ 
في الأشهر الحُرم ؟ 
وعن علاقتكِ المشبوهة 
بالسياسة الخارجيةِ ليلاً  
والسياسةِ الدّاخليّةِ نهاراً ؟

أتذكرين 
حينَ كنتِ تسبحينَ وحدكِ 
بلا ذراعين ؟
وتُرضعينَ أطفالَ الحجارةِ 
بلا ثديين ؟
وتسكبينَ الدّمعَ 
على ثرى المُدنِ المُحترقةِ بلا عينين ؟

أتذكرين 
حينَ كنتِ تسألين : 
مَن أدخلَ إلى قاموسنا السياسي 
مفهوم خارطة الطّريق  
ومفهوم خفضِ التّوتر 
وقواعد الاشتباك والتطبيع 
والفوضى الخلّاقة والتّدويل ؟

أيّتُها الحروف .. 
ما عُدتِ صالحةً لبناءِ قصيدةٍ 
بلغةٍ فصيحة .. 
ها أنتِ ترحلين 
كما يرحلُ التفاؤلُ من دولةِ اليأس .. 
ها انتِ تتحوّلينَ 
إلى شعرٍ شعبيٍّ مُستعار ..
ومفرداتٍ قديمةٍ 
كسيارةٍ مستعملةٍ بلا إطار .. 

أيّتُها الحروف العابرةُ للهزائم .. 
لا تمشي على ضفافِ الضاد .. 
فقد جفّت الأحبارُ .. 
واحترقَ الورق .. 
وتوقّفَ الشّتاء 
عن البُكاء .. 
سأشدُّ رحالي نحوَ آخرِ القُبور .. 
تحملُني أقدامٌ زرقاء .. 
حافيةً إلّا من حذاء .. 
حسبتهُ ذاتَ يومٍ وطن .. 

د.ع

العمرُ العاري !



قلتُ لها :

الأرضُ تنتظرُ المطرَ .. 
كما تنتظرُ المدنُ المُعتمة النّور .. 

السّكاكينُ المسمومةُ لم ترتوِ 
من جسد هذهِ الأرض ..

الرّبيعُ اعتذرَ عن الحضورِ هذا العام  
فلا تحدّقي في السماء 
فالغيومُ التي تتجوّلُ في الضواحي هناك 
تسخرُ من أحلام العرب .. 

هل يأكلُ الانسانُ نفسهُ ؟
هل يغتصبُ الانسانُ لحمهُ ؟ 
يا أرضُ ارحمي مَن في القبور .. 
فقد ضاقَ النّهارُ على الجسد .. 
كما يضيقُ البحرُ على الموج .. 

أيُّها العمرُ الرّاحلُ نحوَ النهايةِ .. 
ليتكَ تقفُ دقيقةَ صمتٍ عارياً ..
لتهبَ هذهِ الأرضَ قُبلةَ الحياة ..

أيّتها الأرضُ 
لا تستسلمي للخريفِ
والغبار .. 
اسمعي بُكاءَ جذورِ الأشجارِ المُقدّسة .. 
واسمعي ماذا يقولُ التّينُ للزيتون .. 

يا هذهِ الأرضُ  
أرى جُرحكِ يتّسعُ كبحرٍ 
كفضاءٍ 
أراهُ يبتلعُ ما ينزفُ من دمي .. 
كثعبان .. 

لم يأفل الشتاء 
ما زالَ هناك متّسعٌ 
ليتسلّقَ الياسمينُ الجدار 
وما زالَ هناكَ وقتٌ 
للابتسام .. 
سأتركُ البابَ مفتوحاً للهواء .. 
وأتركُ النّوافذَ مشرّعةً للضوء .. 
لعلَّ العطشَ يخرجُ من هناك .. 
كما يخرجُ الغُزاة .. 

لقد تعبنا 
وتعبتْ الكلمات  
فأحلامي المثقوبةُ 
لن تحملَ إليكِ الماء 
وقلبي الضعيف 
لا يستجيبُ لمشاعر الرّمق الأخير .. 

أيتها الأرضُ الحبيبةُ ..
سأحملُ جوعي وجوعكِ .. 
عطشي وعطشكِ .. 
وأسيرُ بقدمينِ تنزفان .. 
تخطّان على جبينكِ : 
هنا قتلَ الأخُ أخاه 
وهنا كانَ الشرقُ شرقاً 
وكانت الحياةُ حياة .. 

د.ع

جدليَّةُ الموتِ !


قلتُ لها : 

هل للموتِ معنى ؟
وهل لموتي قيمة ؟
هناكَ من ماتَ في سبيلِ الذّهب .. 
وهناكَ من ماتَ في سبيلِ الأرض .. 
وهناكَ من ماتَ في سبيلِ قضيّة .. 
وهناكَ من ماتَ من أجلِ رغيفِ خُبزٍ .. 
أو قبلة ..

أسألُ نفسي .. 
لمَ كنتَ تفكّرُ بأنَ تموتَ من أجلهم ؟
وكم فكّرتَ بأن تموتَ من أجلها ؟
من فكّرَ بأن يموتَ من أجلك ؟

كنتُ أعتقدُ أن الزهرةَ الحمراءَ المزروعة في حديقتي .. 
تفيضُ عطراً ..
كنتُ أحسبها زهرةَ العُمرِ .. 
فإذا الزّهرُ كالبشرِ .. 
وإذا للزّهرِ فحيحٌ .. 
لا يفيضُ إلّا سُمّاً .. 

يدي ممدودةٌ إليها كأغصانِ الزّيتون العتيق .. 
ويدُها نحوي مقطوعةٌ كالمطرِ هذا العام .. 

يدي إن شحَّ الماءُ تنزفُ دماً .. 
فتسقي السنابلَ والزنابقَ والياسمين .. 

هل ما زلتَ تؤمنُ بأنَّ أحداً سيموتُ من أجلكَ ؟
وأنتَ كلَّ يومٍ تموت .. 
وتعلّمُ النّاسَ معنى أن تموت .. 

الخبزُ الذي كانَ يهزمُ جوعي .. 
لم يكن من سنابلي .. 
الخبزُ الذي كان يهزمُ جوعي .. 
لم يكن من تلكَ السنبلة .. 
التي تفتّحت بينَ يدي كالأقحوان .. 

سحابةٌ غريبةٌ تحجبُ عنّي يداً .. 
كنتُ أحسبُها يداً .. 
ماؤها مالحٌ مُرٌّ ..
كأنّهُ ينبعُ من قبرٍ قديم .. 

من يبتاعُ أحلامي ؟
لم أعُد أحتاجُ إليها .. 
فهي كالحذاء القديم .. 

كلُّ العصافير التي كانت .. 
تُقيمُ على أغصانِ تلكَ الشجرةِ تموت .. 
كما يموتُ قُبيلَ الشهرِ الأول
الجنين ..

الدّروبُ التي تمرُّ بها أيامي موحشة .. 
كالظّلامِ المُخبأ في ابتسامةِ عينيها .. 

عقاربُ عمري تدور .. 
عكسَ عقاربِ السّاعةِ .. 
متى تتوقّفُ عقاربُ السّاعاتِ عن الدّوران ؟
فلا يأتيني ليلٌ .. 
ولا يُلقي عليَّ السّلامَ نهار .. 

عاريةٌ تلكَ الشّجرة .. 
جُذورها يأكُلها الصّدأ .. 
كأنّها امرأةٌ عجوزٌ عجوزْ .. 
تنتظرُ الموت .. 
كما ينتظرُ الشّمسَ الغُروب .. 

د.ع

ضبابُ الماضي !



قلتُ لها :

لم تعدْ رائحةُ العِطرِ تتردَّدُ كالنَّغمِ 
في أرجاءِ المكانْ 
ولم يعدْ المكانُ يُشبهُ المكانْ
أتأملُ في تفاصيلِ المكانِ
أبحثُ عن تلكَ الذِّكرياتِ 
فلا أجدُ إلا بقايا 
من ذكرياتٍ سود

أحاولُ أن أستعيدَ الماضي
فإذا الماضي لا يستجيبْ
كلُّ الصُّورِ
وكلُِّ الأخيلةِ
يُجَلِّلُها الضبابْ
لا أعرفُ لِمَ تُمحى كلُّ التفاصيلِ
من ذاكرتي ؟
ولِمَ كلُّ شيء بات بارداً
كالصَّقيعِ
أو كالجليدْ ؟
كلما فتحتُ نوافذَ ذاكرتي
لا يدخلُ إليها 
إلا غبارُ السِّنينْ 

أيُّها الخريفُ
لم أنتظرْ يوماً أن أجنيَ 
من ثماركَ شيئاً
لا أرى إلا الأوراقَ
تتساقطْ
كأنِّي أرى الأشياءَ 
إلى زوالْ

أيُّها الشِّتاءُ الفقير
لا تحسبُني قوياً
لا تحسبُني صلباً
كالجبالْ
ها أنا هَرِمٌ
عاقرٌ
لم أعد قادراً على إنجابِ
حلمٍ صغيرٍ
أملٍ صغيرٍ
ابتسامةٍ ساحرةٍ
أو كلمةٍ تُثيرْ 

أيُّها العمرُ الغارقُ 
في الوحلِ والطِّينْ
لِمَ أطلقَ اللهُ سراحَ الشَّيطانِ
ولِمَ جعلَ صوتَهُ ساحِراً 
ومسمووووووعْ ؟

مَنْ سرقَ الرَّحمةَ 
من قلوبِ الطُّغاةِ
ومِن قلوبِ النِّساءْ ؟
مَن بنى للشَّيطانِ 
في كُلِّ مكانٍ
هياكلَ للجراح ؟
مَن زيَّنها بالمصابيحِ المُعتِمة ؟
مَن زرعَ شجرةَ الجهلِ 
في الرُّوح ؟

لم أكنْ أعرفُ يوماً أنِّي 
كالسَّائرِ في نومٍ عميق 
ولم أكنْ أعلمُ أن ظهريَ انحنى
من ذاكَ الحُلمِ الثَّقيل 
كنتُ أعتقدُ أنِّي أرى الأشياءَ 
كما لا يراها الآخرون
فإذا بي أعمى 
بلا عُكَّازٍ
ولا ساقينِ
ولا يدينِ
ولا عقلٍ يقودني
ولا قلبٍ يجرُّني 
نحو الحقيقةِ 
ولا موجٍ يأخذُ أشرعتي
نحو شواطىءِ الأمانْ
الآنْ
أيقنتُ لِمَ توحّش في داخلي
المكانْ 
ولِمَ كنتُ أعمى 
لا أعرفُ قراءةَ ما تقولُهُ 
النِّساءْ !

د.ع

أنا البحرُ .. فأصغي للموج !



قلتُ لها :

تنقّلتُ بينَ أحلامي .. 
كأنّني بحّار .. 
وحينَ عُدتُ إليكِ أحملُ أرزائي .. 
وأحزاني .. 
وجدتُ موقدَكِ بلا حطبٍ ولا نار .. 

لا أعرفُ يا حبيبتي .. 
لمَ صارَ وجهكِ يحجبُ عنّي النّهار .. 
وروحكِ كسحابةٍ تحجبُ الشّمسَ والنّجوم .. 
لم يعُد قلبي يرقصُ كالفراشات .. 
حينما يسمعُ صوتكِ .. 
ولم أعد أُحسُّ بعطرِ الأزهار .. 

أنا يا حبيبةُ أنحدرُ من سُلالةِ البحار .. 
موجيَ هائجٌ كالإعصار .. 
وشاطئي يسكرُ حينَ يلتقي بالماء ..

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
كلّما غُصتِ عميقاً ..
امتلأت روحُكِ بالخوفِ والأحزان .. 
في أعماقي تستحمُّ الأسرار .. 
ويختنقُ الصّوتُ والجسدُ .. 
وتموتُ الرّغبةُ في العينين .. 
وينتحرُ على شواطئي النّهار .. 

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
جسدي يُناجي الشّمسَ .. 
وعينايَ تُعيدُ تشكيلَ السّماء .. 

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
لا يُدركُ أبعادي إلّا الحُكماء .. 
ولا يُدركُ أسراري إلّا الشُعراء .. 

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
تنتحرُ في مياهيَ الأنهار ..
أعرفُ ما يقولهُ الليل للشّتاء ..
وما يقولهُ الحجرُ للتُّراب .. 

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
كلُّ الطُّيورِ تلجأ إلي .. 
وكلُّ الأشرعةِ تجري إليَّ .  
تحملُ ملحاً وطعاماً وأحلاماً .. 
وصمتاً كصمتِ الموت .. 

أنا يا حبيبةُ من سُلالة البحار .. 
أوّلُ من يِولدُ ..
وآخرِ من يموتْ .. 
أصغي لموجي لعلّك تفهمينَ .. 
ما تقولهُ الرّيحُ للماء .. 

د.ع

النَّرجسيَّةَ العربيَّة



قلتُ لها :

لماذا نذهبُ بعيداً في جرائمنا ؟
ولماذا نحجُبُ عيوبنا الأخلاقيّة ؟
ولماذا نسيرُ كالقطيع .. 
ونستجيب للقتلةِ .. 
ولأعمالهم الوحشيّةِ ؟
هل رأيتِ يا حبيبةُ يوماً أنَّ
الدُّولَ الديموقراطيّة تحارب بعضها ؟
هل سألتِ نفسكِ يوماً :
لمَ كلُّ المآسي تَحدثُ في دُولِ الظّلامِ والديكتاتوريّة ؟

حاولتُ أن أخرجَ من غابةِ الأسئلة ؛ فإذا بي إزاءَ سؤالٍ عجيب : 
لماذا نُجيدُ المديح لأنفُسنا حتى الدّرجة القُصوى ؟
ولمَ نحنُ مثاليون أكثر من الفلسفةِ المثاليّة ؟
هل هي مشكلة ثقافيّة ؟
هل نحنُ مجتمع نُخَبٍ فكريّة وثقافيّة وحسب ؟
أو هل لدينا مشكلة بمفهوم الإنتماء ؟
أين يتّجهُ انتماؤنا ؟ 
هل يتّجهُ إلى الطبقة الاجتماعيّة ؟
هل هو جهويٍّ ؟
هل هو عائليّ ؟
هل هو قَبليّ ؟
أم هل هو دينيّ .. عقائديّ ؟

لا أعرف رُبّما نعيشُ حالةً من التّهميش أو التبسيط للقيم والأفكار والمبادئ والأساليب . 

يا حبيبةُ : 
يبدو أنّنا استبداديون أكثر من السُلطة نفسها ، ويبدو أنّنا متطرّفون لأفكارنا الموغلة في القدمِ والتّاريخ ، ويبدو أنّنا حديثو الولادة ، لم نُتقن بعد الكلام ، أو إنتاج الخطاب ، وما زلنا لا نستطيع السّير والخروج من غرفة التلقين الأيدولوجي والعقائدي والقَبلي والجِهوي .

ويبدو أنّنا لا نُجيدُ إنتاجَ مشروعٍ نهضوي حقيقي ، رُبّما نعيشُ مشكلة على مستوى المكوِّن الرئيسي للهويّة ، لعلّنا لم نخرج بعد من الغُرفة المُعتمة ، ولم نخرج بعد من تلكَ النرجسيّة القاتلة . 

د.ع

صوتُ السَّماء


قالت له :

ارجع كثيراً إلى الوراء .. 
وتأمّل الشّمس التي تُقيمُ هناك .. 
لعلَّ الشكَّ ينطفئُ في الرّوح .. 
فتُميّزَ إرادةَ السّماء .. 

ابنِ لكَ بيتاً في الماضي القديم ..
واصغِ إلى صوتِ السّماء .. 
وانظر كيفَ ترتقي الذَات .. 
وتتجلّى العُقول .. 

لن تخدعكَ الشّمسُ ..
التي تُشرقُ من الغرب .. 
فهي تحجبُ النّهار .. 
لن تخدعكَ الرّيح الآتية من الغرب .. 
فهي تقتلُ الثّمار .. 

لا تبنِ بيتكَ في الماء ..
لن ترحمك ..
أسماكُ القرشِ والحيتان .. 

ابنِ قصورَكَ في الهواءِ .. 
في الأحلامِ .. 
واسكُن خيمةً في العراء .. 
فالقصورُ المُعلّقةُ في الهواء .. 
لا تنهدِم ولا تخشى جُيوشَ الظّلام .. 

لا ترسم خارطةً للطّريق .. 
بل شُقَّ الطّريق .. 
فتتفتّحُ لك نوافذُ غير النّوافذِ .. 
وتظهرُ لكَ أشياء غير الأشياء .. 
والطّريقُ يا حبيبي طريقان :
طريقٌ في الأرضِ مُعتمةٌ .. 
وطريقٌ من ضوءٍ في السّماء .. 

د.ع

الهروبُ إلى الوراء !


قلتُ لها :

حينَ يضيقُ العُمرُ عليَّ أهربُ إلى أحلامِ الطفولة ، هُناك أجدُ متّسعاً من الخيال ؛ لأزرعَ الأزهارَ ، وأُلقي السّلام على الوجوهِ التي غادرت ذاكرتي حينَ ركبت موجَ الموتِ البعيد . 

حينَ يضيقُ العمرُ عليَّ ، وتحاصرني عتمةُ الدّروبِ ، وكآبة الأيّامِ ، أهربُ نحو وجهِ أُمِّي ، فألمحُ بينَ تفاصيلهِ صوراً من عالمها البريء ، وأُصغي إلى حديثِ الأشجارِ ، وهمسِ الغُدران ، وأستدعي كلَّ القصص الجميلةِ التي كانت تنثرُ في وجداننا أحلاماً طُويت منذُ سنين.

حينَ يضيقُ العمرُ عليَّ ، أهربُ إلى قلمي وأوراقيَ البيضاء ؛ ارسمُ سماءً ، وصورةً لوجهِ حبيبتي وهي ترتدي ثوبها الشّفقي ، وارسمُ في عُمقِ السّماءِ نجمةً تُشبهُ طفلاً يتعثّرُ في الكلام ، يرتجفُ مثلَ عصفورٍ يخافُ المطرَ والظّلام ، وارسمُ صورةً لقمرٍ مُصابٍ بالزّكام ، وفي مُنتصف الصّفحةِ البيضاء ارسمُ صرخةً ترتعشُ من البردِ ، وغابةً من الأفكار ، بعضُها دافئٌ ، وبعضها عقيم ، ثُمَّ أعودُ كحصانٍ وحشيٍّ يبحثُ عن سرجٍ وسيفٍ وآخر فارسٍ غابَ منذُ نهايةِ عصرِ الفُرسان .

د.ع

وطنٌ جريحٌ .. دونَ حرب !


أحبّتي :

لستُ من هُواةِ الهجومِ على الوطن ، ولستُ من هُواة النقدِ لمجرّد النّقد ، غيرَ أنّي حينَ أرى وطني جريحاً دونَ حرب ، مهزوماً دونَ فتنة ، يُعاني من أزمةٍ إقتصاديةٍ خانقة دونَ سبب ، لا بدَّ أن أتكلّم ، ولا بدَّ أن أسأل : 
كيفَ وصلنا إلى هذهِ الحال التي تُثيرُ الشّفقة ؟ وكيفَ وصلنا إلى مجالِ الجّوع والخوفِ من المُستقبل ؟ لماذا يبدو لي وطني كالبلادِ التي مزّقتها الحروبُ والفتنِ الدّاخليّة ؟ ولماذا يبدو لي كمُتسوّل أو كغريقٍ يطلبُ النّجاة ؟ 

لمَ تحوّلت هذه المملكة الصغيرة الآمنة إلى مملكة الضّرائب ؟ ولماذا حكومتنا عاجزة إلّا عن رفعِ الأسعار وفرضِ الضّرائب ؟ لم أعد أعرفُ الفرقَ بين الضّرائب وارتفاعِ الأسعار ، ما الفرق أن نضع ضريبة على المحروقات 30% أو أن نرفع المحروقات 30% ، ليتني أعلم من هو هذا الفيلسوف الاقتصادي والخبير الاقتصادي الذي يُخطط لهذا البلد ؟

والله إنّنا لم نعد نثقُ بنائبٍ أو وزيرٍ أو دواءٍ أو خُبزٍ أو هواء ، وبتُّ أخشى أن يأتي يومٌ وإذا بي أدفعُ ضريبةً عن زوجتي ، وضريبةً عن ابني ، وضريبةً عن بنتي ، وضريبةً على رغيفُ الخبزِ الذي رفعوا الدّعم عنه كما يقولون ، وضريبةً لأنّي أمتلكُ قدمين ويدين ، وضريبةً على الشّخير .

هل يعلمون أنَّ بيوتنا التي شيّدناها حجراً حجراً بعرقنا ودَمنا وغُربتنا ندفعُ عليها ضريبة ، وهل يعلمون أن السيارة التي دفعنا ثمنها غُربةً وتعباً وقرضاً من هذا البنكِ او ذاك ندفعُ عليها ضريبةً ، وهل يعلمونَ أن جوازَ السّفر الأردني والذي أعتزُّ به كل الاعتزاز نستخرجهُ بخمسين ديناراً ، وأن شهادة الميلاد عليها ضريبة ، وشهادةَ الموت عليها ضريبة ، والشّوارعَ عليها ضريبة ، وملابسنا الدّاخلية والخارجيّة عليها ضريبة ، وقد تطوّر الحالُ بنا أكثر وصرنا ندفعُ ضريبةَ الضّريبة ، وفي المُستقبل القريب سندفعُ أمَّ الضرائب ، تلكَ هي ضريبةُ أنّكَ ما زلتَ على قيدِ الحياة في هذا الوطن . 

أحبّتي : 
كلّما أراقبُ الحوار الدائرِ في مجلس النوّاب ، وكلّما استمعتُ إلى وزيرٍ يتكلّم ، أو ناطقٍ باسم الحكومةِ يشدو ، أشعرُ أنّني في القرنِ الثّامن عشر ، فلا خطابهم مُقنع ، ولا ثقافتهُم مُقنعة ، وليس لديهم رؤيا أو منهج . 

سألتُ العرّافينَ والطّيورَ والجنادبَ ، وكلَّ أنواعِ الماعز والخراف ، لمَ لم يخرج الأردن من أزمتهِ الاقتصادية بالرغمِ من كثرةِ هذهِ الضّرائب الغريبةِ العجيبة ، وهو لا يتحمّلُ أيّةَ أعباءٍ ماليّة سوى الرّواتبِ وبعض المعاشات التي لا تكفي الموظّف إلّا خمسةَ أيّام ؟

إنَّ كل المؤشرات تدلُّ على أنّنا نعيشُ على أرضٍ موبوءةٍ بالفساد ، وأنّنا نعيشُ في وطنٍ يتعرّضُ للخيانةِ كلَّ دقيقة ، ويتعرّض للنهبِ والسلبِ كلَّ ثانية ، إنَّ هذا الوطن لن يرحم أيَّ إنسانٍ خانهُ أو سرقهُ أو نهبهُ أو أفسدهُ ، وسيأتي يومٌ وأحسبهُ قريباً يُحاسبُ فيهِ كلَّ فاسدٍ وكلَّ خائنٍ ، وكلَّ من تسبّبَ في حرمانِ طفلٍ من حبّةِ تُفاحٍ أو برتقالةٍ أو سندويشةٍ صالحة للاستهلاك البشري . 

عافاكَ الله أيُّها الوطن من ايِّ سقمٍ أو وجع .

د.ع

لغتي القديمة



قلتُ لها :

سأشُدُّ رحالي إلى لُغتي .. 
أُفتّشُ في الحروفِ العتيقةِ ..
عن وطنٍ ما زالَ طفلاً يحملُ بالوناً .. 
ولُعبةً على شكلِ أرنب .. 
يُطاردُ فراشات الرّبيع .. 
مثلَ قطٍّ وديع .. 
يبحثُ عن صيدٍ سهل .. 

سأعودُ إلى حروفي القديمة .. 
وأسيرُ مُغمض العينين .. 
أبحثُ عن وطنٍ باعوهُ في سوقِ النخاسةِ .. 
كما تُباعُ الجواري .. 
وتقاسموا ثمنهُ بالعدل .. 
أليسَ غريباً أن يعترفَ اللصوصُ بالعدل ؟

أُفتّشُ بينَ أطرافها عن صباحِ وطني الجّميل .. 
وأسألُ عن حقولها التي هجرها الزُّراع .. 
وعن السنابل التي كانت تُصلّي لربِّ السّماء .. 
سأسألُ التُّرابَ عن الجفاف .. 
واسألُ السّواقي : من سرقَ من جوفها الماء ؟

سأعودُ إلى حروفي القديمة .. 
لأرى من سرقَ القوتَ من أفواه العصافير ؟
ومن نزعَ الرّيش من اجنحة الحمام ؟
وأسألُ حرفَ الآه .. 
من أينَ جاءكَ هذا الألم ؟ 
ومن شقَّ في جوفِ صدركَ الجُرحَ 
وقالَ لك : هذهِ هي الطّريق ؟

سأعودُ إلى حروفي القديمة .. 
مثلَ المُتسوّلين .. 
أستمعُ إلى بيانٍ وزاريٍّ من مذياعٍ قديم :
سنقضي على البطالةِ والعنوسةِ وارتفاعِ الأسعار .. 
ونسمحُ بحريّةِ الاجتماعِ والتّظاهر .. 
ونأوي أطفالَ الشّوارعِ .. 
ونُعيدُ الأسماكَ للبحرِ الميّت .. 
والدّعمَ لرغيفِ الخبزِ .. 
والمطرَ للشتاء .. 
والموجَ للبحار .. 
والرّيشَ للطّيور .. 
والرّمالَ للصحراء .. 
ونُعيد للوجوهِ الدّماء .. 
وسنُعطي الوطنَ أشياءً وأشياء .. 
سنطردُ الجُبنَ من العقول .. 
والخوفَ من القلوب .. 
والغيرةَ من العيون .. 
والحسدَ والجنون .. 
سنجعلُ الاقتصادّ يعملُ بكلِّ المُحركات .. 
وسيكونُ له ألفُ عجلٍ وعجل .. 

سأعودُ إلى لُغتي القديمة .. 
لتأخذني إلى قلبِ الليل ..
كطعنةِ سكّين ..
أتقلّبُ في سريرِ الشّوكِ .. 
من قلقِ السّؤال .. 
فيثورُ في خاطري كلَّ غمضةِ عينٍ سؤال .. 
من جعلَ هذا الوطن بلا أظافرَ .. 
ولا أسنان ؟
ومن جعلهُ يترنّحُ مئةَ عامٍ ..
دونَ أن يسقطَ بالضّربةِ القاضية ؟

د.ع

عكَّازي القديم ..


قلتُ لها : 

الليلُ يمدُّ جناحيه على الطّريق كطائرٍ أسطوريٍّ عملاق ، والرّيحُ تتنفّسُ مثلَ جملٍ يُعاني سكرات الموت ، فتتطاير ذرّات التُراب ، وأوراق الشجر القديم على حواف الطّريق ، وهناك على الجانب الأيمن من الزُقاق عُلبُ عصيرٍ فارغة يصدرُ منها حفيفٌ مشوبٌ بصفير ، يبدو أنَّ الأطفال كانوا يلعبونَ هنا ، وكانوا يرسمون على الجدار المُحاذي للطّريق صورةً للقمرِ والنُّجومِ وحبّاتِ المطر ، وهي تتنزّلُ من السّماء خائفة .

أمشي وعُكّازي القديم يئنُّ من ثقلِ العُمرِ ، وعارِ الهزيمة ، وكأنهُ يسألُني بصوتٍ مخنوق عن القصور الخاوية ، والمساجد المُهدّمة ، والكنائس الخربة ، فأُجيب بصوتٍ مريض : 
هذا زمنُ الأنبياءِ المُزيفين 
وزمنُ السياسةِ القذرة 
وزمنُ الحكّام المتآمرين 
وزمنُ الشّياطين حينَ يرتدون الوجه الملائكي ..

أمشي وعكّازي يحملُني غاضباً مثلَ سماءٍ هائجة ، وكأنّهُ يُعاتبني بصوتٍ غاضب : 
ماذا تفعلُ هنا وحدك في هذا الفراغ ؟
أخذتُ نفساً طويلاً طويلاً صاحبهُ سُعال همجي وقلتُ لهُ :
لأُبشِّرَ بزمنٍ ورديّ ، وأحلامٍ لأطفالٍ لمّا يولدون ، وأنتظرُ عودة الرّاحلين المُهاجرين الذين غابوا كما تغيبُ الشّمس في المرايا .

تماديتُ بالمشي أكثر ، والطّريقُ يتلوّى وينحني كأفعى إفريقيّة ، وهناك في وسط الطّريق بقايا من جثثٍ مُتعفّنة ورصاص ، ورسالةٌ قديمة أخذت لونها الأصفرَ العتيق من حرارة الوداع ، تهجّيتُ حروفها المُتداخلة كبيتِ العنكبوت : 

حبيبتي اشتقتُ لعينيكِ 
لليلِ الصيفِ والرّبيعِ النّدي 
اشتقتُ لصوتكِ النّاعمِ يطرقُ أبوابَ الرّوحِ :
أُحبُّكَ 
اشتقتُ لصمتي حينَ أكونُ معكِ 
أسمعُكِ بالقلبِ حيناً 
وبالرّوحِ أحياناً 
سأعودُ يا حبيبتي أحملُ بينَ يدي ثوب الزّفافِ 
وعطرَ الزّفافِ 
وأزهاراً من كلِّ الألوان 
وأُغنياتٍ بكلِّ أنواعِ الايقاع 
سأعودُ مع فجرِ أوّل عيد 
مثلَ موسيقى النّاي ..

حملتُ الرّسالةَ ومشيتُ
مع عُكّازي الأصيل 
مثلَ حصانٍ عربيٍّ أُحيلَ على التقاعد 
ورأيت وجوهاً تسكبُ السُّموم 
وأيادٍ عمياء 
وأقداماً خائنة 
وعيوناً آثمة 
وسمعتُ أصواتاً تخرجُ من بينِ الجماجمِ 
تصرخُ بصوتٍ حزينٍ  : 
لقد سرقوا طفولتي وأحلامي 
ودفاتري وعلبةَ ألواني 
وحذفوا من ذاكرتي الشعّرية :
بلادُ العُربِ أوطاني 

د.ع

عمَّان .. لِمَ صار حضنكِ بارداً ؟


عمّانُ :

سأُطلقُ الرّصاصَ على أطفالي ، وأدُسُّ السُّمَّ في الطّعامِ لزوجتي ، وأكتبُ على الحائطِ الذي تسرّبت إليهِ الرُّطوبةُ ؛ فأُصيبَ بالتّرهُّلِ والتّشرُّخ والتّشقق ؛ كأنهُ صورةٌ عن وجهي وجسدي آخرَ وصيتي : 

لا تقرؤوا الشّعرَ الذي يتحدثُ عن أيّام العرب ، ولا تقرؤوا قصصَ إحسان عبد القدّوس ، ولا تتصفّحوا مختاراتٍ من تاريخنا الصّغير ، ولا ترمّموا السّفينةَ المثقوبة ، وتأملوا كثيراً سورةَ الكهف ، فنحنُ وأهلُ الكهفِ سواء .

عمّان :
يا بيتاً بلا سقفٍ ، ويا قصيدةً بلا وزنٍ أو قافية ، لقد نسينا حكايات المطر والشّتاء ، ونسينا الفرقَ بينَ جلدِ القدمِ وجلد الحذاء .

 انظري إلينا .. 
نمشي على الشّوكِ .. 
على الجّمرِ .. 
بلا حذاء .. 

عمّان : 
كنتُ أقرأُ عن الشّعوب البدائية ، والمجتمعات المُصابةِ بالفقرِ والتّخلُّفِ ، وداء الصّراعات القبليّة ، فإذا بي أستعيدُ صورةً عن ذاتي .

عمّان :
ها نحنُ نُذبحُ بسكّينٍ مثلوم ، ونموتُ ببطء ، كما تموتُ الشّمسُ حينَ الغروب . 

عمّان :
لمَ كلُّ الطّرق إليكِ مفروشةٌ بالأسى والدّمعِ والشّقاء ؟ 
ولمَ صرتِ مكشوفةَ الوجهِ والغطاء ؟

حُضنكِ يا عمّانُ صارَ بارداً كوجهِ الأرضِ حينَ يلفحهُ الصّقيع ..
حُضنكِ يا عمّان صارَ بارداً لا يُدفئُ الغريق .. 
حُضنكِ يا عمّان صارَ بارداً ليس لنا فيهِ محلُّ كالغُرباء .. 
حُضنكِ يا عمّان صارَ بارداً :
هل نحنُ أبناؤكِ ؟ 
أم نحنُ لُقطاء ؟

عمّان : 
ماذا أقولُ لشيخوختي إن سألتني ذاتَ يومٍ :
عن سقوفكِ ..
وعن الجدران ؟
ماذا أقولُ لأطفالي إن سألوني ذاتَ يومٍ :
ما الفرقُ بينكِ وبينَ السجّان ؟

عمّان :
جفَّ النّهرُ .. 
وجفرَ الخُبزُ .. 
وانطفأَ النّورُ .. 
في عينِ النِّجوم .. 
وماتَ اللحنُ في جوفِ الحروف .. 
وذلَّ الرّبيع في بطن الحقول ..
والرّيحُ ريحُكِ يا عمّان .. 
كلّما حسبتُها تأخذُ الزّوارقَ نحوَ الشواطئ الدّافئة ..
أراها تجرُّها للوراء .. 

عمّان :
نحنُ لا نُلقي الحجارةَ في بئرنا .. 
فإن جفَّ ماءُ البئرِ ..
نُقيمُ طقوسَ الحربِ والبُكاء .. 
لنرتوي يا عمّانُ ..
من دمعنا والدّماء .. 

د.ع

أمريكا .. الفوضى القاهرة



أمريكا :

نحنُ نعلمُ أنَّكِ دولةٌ بلا حدود ..
ونعلمُ بأنّكِ تظهرين كل يومٍ بوجه .. 
وكلَّ ليلةٍ بقميصِ نوم .. 
ونعلمُ أنّكِ شركةٌ على هيئةِ دولة ..
ودولةٌ متعدّدةِ الشركات .. 

أمريكا :

يا دولةً نهضت على الكذبِ .. 
والدّمِ .. 
والظلمِ .. 
والتّدمير .. 
وتدّعي أنّها أوّلُ العالمِ .. 
وآخرُ الحضارات ..
تنشرُ قيمَ العدلِ على ظلمٍ .. 
وترفعُ رايةَ الحُريّةِ .. 
وهي أكثرُ استعباداً للنّاس .. 

أمريكا :
يا دولةً تُحاربُ الإرهاب وترعاه .. 
تُشعل الحرائق ..
وتدّعي أنّها تُطفئها .. 
تُثيرُ الفتنَ في الشّرقِ والغربِ .. 
في الجنوبِ والشّمال .. 
وتدّعي أنّها تُخمدُها .. 
تُدّمرُ الدُّولَ ..
وتدّعي أنّها تَبنيها .. 
كلُّ العالمِ في نظرها كالهنودِ الحُمرِ : 
عُراةٌ .. 
همجٌ ..
حُفاةٌ .. 
غيرُ قابلينَ للتمدُّنِ والتَّحضُّرِ .. 

أمريكا : 
كلُّ العالمِ كالأفارقةِ السُّود ؛ عبيدٌ 
وفرائسُ سهلةٌ للصّيد .. 

أمريكا :
طائراتُها الحربيّة حمائمُ سلام .. 
صواريخها العابرةُ للقارات سحائبُ مطر .. 
قنابلُها النّوويّة تتنزّلُ على الأرضِ وروداً وياسمين .. 

أمريكا :
مؤسّسةٌ إرهابيّةٌ عُظمى ..
في كلِّ مكانٍ لها وكلاءٌ ومُسوّقون .. 
يُغيّرونَ أنظمة ويُسقطونَ أنظمة .. 
وأساليبُ الاسقاطِ واضحة ..
كما في غواتيمالا وتشيلي ..
والسّلفادور ونيكاراغوا ..
وفيتنام والعراق والشّام .. 
بالحرقِ والتّعذيبِ .. 
وقطعِ الأثداءِ والرؤوسِ .. 
وفضِّ البكارات .. 

أمريكا :
ملايين الأشخاص عُذّبوا .. 
والملايينُ تشوّهوا .. 
وألفُ ألفُ امرأةٍ اُغتصبت .. 
ومئاتُ المُدنِ حُرقت .. 
وآلافُ الأطفالِ أُصيبوا بالصّمم والشّللِ والعمى ..

أمريكا :
دولةُ المجازرِ والإبادةِ والإرهاب .. 
ودولةُ الفوضى الخلّاقة .. 
والموتِ الخلّاق .. 
نعرفُ كيفَ تكذبينِ .. 
ونعرفُ كيفَ تراوغين .. 
وكيفَ تخدعين .. 
ونعرفُ من أيقظَ المذاهبَ والطّوائفَ .. 
وأثار الخلافات العربيّةِ العربيّة .. 
وأنشأَ داعشَ .. 
وأحيا القاعدةَ .. 
وغرّرَ بالشّبابِ .. 
وخدعَ المُثقّفينَ والمُفكّرين .. 
وملأَ الأرضَ سُمّاً وفساداً .. 
وغيّرَ القيمَ والأعرافَ والتّقاليد .. 
وأقامَ المناطقَ العازلة وشبه العازلة .. 
وسعّرَ نارَ العصبيّاتِ والقوميّاتِ .. 
وقسّمَ الدّول .. 
كما تُقسّمُ الأضحيات .. 
وسرقَ الأرضَ ظاهرها وباطنها .. 
واجتاحَ البحارَ شواطئها وأعماقها .. 
وهدّمَ البُنيان .. 
وأنقذَ الاقتصادَ الأمريكي .. 
بدمنا ونفطنا وأرضنا .. 

أمريكا :
واللهِ إنّنا نعلمُ أنّكِ أعظمُ حضارةٍ دكتاتوريّة على مرِّ التّاريخ .. 
ونعلمُ أنّكِ منذُ التأسيسُ دولةٌ تحكُمها المافيا والعصابات ..
على هيئةِ شركات .. 
ونعلمُ أنَّ الرئيس صورةٌ أو خيال .. 
والوزيرَ خادم .. 
ونعلمُ أنَّكِ لا تعترفينَ بالقلم ..
فتاريخُكِ يا سيّدةَ العالم مكتوبٌ بالدّماء .. 

د.ع